إبن سهل الطبري
20
فردوس الحكمة في الطب
موضحه في آخر كتابي هذا ، ولأنهم لم يروا في طول هذا الدهر مطرا كان ولا رعدا ، ولا برقا ولا سحابا ولا دابة ولدت أو شجرة نبتت وأثمرت بحيث لا تطلع عليها الشمس والقمر ، فالانسان كما تري من الزرع ، والزرع من الدم ، والدم من الأغذية والأشربة ، والأغذية والأشربة من النبات ، والنبات من المياه والأمطار في الأرض ، والأمطار من البخارات والسحاب الذي يصعد من الأرض في فصول السنة ، وفصول السنة هي مسير الشمس في فلكها على ما انا واصفه ، وكل ذلك يجري بتقدير من حكيم قدير خلق ذلك كله على ما قدر وأراد من احداث بعض خلقه من بعض وإقامة بعضه ببعض ، كالكواكب التي لأقوام لها الا " بأفلاكها " ( 1 ) والنار التي لا توجد الا في الاحجاز " وغيرها " ، والماء الذي لاثبات له الا بالأرض ، والأرض التي لا " قوام لها " ( 2 ) الا بالهواء الذي يشيلها من جوانبها ، فهي كالخردلة التي تلقى في مثانة شاة لا تستقر فيها فتبقى معلقة في وسطها ، فكذلك الحيوانات والنبات لا كون لها ولا فساد الا بالأرض والهواء والنار والماء ، وقد قال أرسطوطيلس ان الطبائع طبيعتان طبيعة مستعلية على الكون والفساد بكلها وجزوها ، وهي الفلك والنيرات ، وطبيعة تقع اجزاءها تحت الكون والفساد ولا تقع كلها تحت الفساد ، وهي الطبائع الأربع ، فمن اجزاء الطبائع تكون المزاجات الأربعة ، ومن تلك المزاجات تكون الحيوانات ، فاما ما ينشأ في الهواء من مطر وثلج " وريح " فإنه يكون من البخار الرطب ، ويكون الرعد والبرق والنيازل والشهب من البخار " الحار " اليابس ، وعلة ذلك كله اختلاف حركات الأفلاك ، لان الفلك الأعلى يدور
--> ( 1 ) " بالأفلاك ( 2 ) لا نقوم "